الإجهاض في القانون السوري: المسؤولية الجزائية وتعديلات 2022

الإجهاض في القانون السوري: المسؤولية الجزائية وتعديلات 2022

يعتبر ملف الإجهاض في القانون السوري من أكثر الملفات القضائية والتشريعية حساسية وتداخلاً؛ إذ يتقاطع فيه الحق الدستوري في الحياة مع ضوابط الشريعة الإسلامية والممارسات الطبية المهنية. وتتبنى السياسة العقابية السورية منهجاً صارماً ووقائياً يهدف إلى حماية النسل وحفظ الكيان الأسري من التفكك، وهو ما يظهر جلياً في تبويب أحكام الإجهاض ضمن الفصل المتعلق بالجرائم الواقعة على الآداب ورابطة الأسرة في قانون العقوبات العام الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 148 لعام 1949.

ومع تطور المنظومة التشريعية السورية، طرأت تعديلات هيكلية هامة مست المفاهيم العقابية والتدابير الوقائية للجنين، ولا سيما عبر صدور القانون رقم 15 لعام 2022 وقانون حقوق الطفل لعام 2021. نسلط الضوء في هذا الدليل التحليلي الصادر عن “مكتب غرس القانوني” على الأبعاد الجزائية لهذه الجريمة، والحدود الاستثنائية التي يُباح فيها الإجهاض قانوناً، ودور القضاء في حسم هذه النزاعات.

1. تكييف جريمة الإجهاض وعناصرها في قانون العقوبات

من الناحية التأصيلية، يقوم جرم الإجهاض في القانون السوري على مبدأ الحظر الشامل لإنهاء حياة الجنين عمداً. وقد استقر اجتهاد الهيئة العامة لمحكمة النقض السورية على تعريف الإجهاض بأنه “كل فعل مادي يُقصد به إنهاء حالة الحمل قبل موعد الولادة الطبيعي، بغض النظر عن الوسيلة المستخدمة أو مرحلة نمو الجنين”.

يتطلب قيام الجريمة توافر القصد الجرمي العام؛ حيث يجب أن يعلم الجاني يقيناً بوجود الحمل، وتتجه إرادته الآثمة مباشرة إلى إسقاط الجنين. وتتدرج العقوبات والمسؤوليات الجزائية في المواد من 527 إلى 532 من قانون العقوبات استناداً إلى معيارين جوهريين: رضا المرأة الحامل، والصفة المهنية لفاعل الجريمة.

ولعل أبرز ما يوضح حزم المشرع في حماية الجنين هو ما نصت عليه المادة 530 عقوبات؛ إذ قررت تطبيق العقاب القانوني الكامل حتى لو ثبت لاحقاً أن المرأة لم تكن حاملاً في الأصل طالما اتجهت نية الفاعل وجسد سلوكه محاولة إسقاطها. يتبنى المشرع هنا نظرية “الجريمة المستحيلة” في الفقه الجنائي لكون الفعل يكشف عن خطورة جرمية كامنة تستوجب الزجر والردع العام.

2. جدول العقوبات وتعديلات القانون رقم 15 لعام 2022

أحدث القانون رقم 15 لعام 2022 الصادر عن رئيس الجمهورية بشار الأسد بعد إقراره في مجلس الشعب السوري نقلة نوعية في هيكل السياسة العقابية السورية. فقد قضت المادة 17 منه بإلغاء عقوبة “الأشغال الشاقة” واستبدالها بعقوبة “السجن” في سائر القوانين والتشريعات الجزائية لمواءمة القوانين الوطنية مع معايير حقوق الإنسان الدولية. وبناءً على ذلك، تحولت الجنايات المرتبطة بالإجهاض من الأشغال الشاقة المؤقتة إلى عقوبة السجن المؤقت المعاصرة.

الفعل الجرمي المرتكب السند القانوني الوصف القانوني للجرم العقوبة السابقة (قبل 2022) العقوبة الحالية المعدلة
إجهاض الحامل لنفسها أو قبولها بإجهاض غيرها لها المادة 527 جنحة الحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات الحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات (تعديل الغرامة فقط)
إقدام الغير على إجهاض امرأة برضاها (دون وفاة) المادة 528 ف1 جنحة الحبس من سنة إلى 3 سنوات الحبس من سنة إلى 3 سنوات
إجهاض الغير للمرأة برضاها وأدى لوفاتها فعلياً المادة 528 ف2 جناية وصفية الأشغال الشاقة من 4 إلى 7 سنوات السجن المؤقت من 4 إلى 7 سنوات
إجهاض برضا الحامل أدى للموت بوسائل أشد خطورة مما رضيت به المادة 528 ف3 جناية مشددة الأشغال الشاقة من 5 إلى 10 سنوات السجن المؤقت من 5 إلى 10 سنوات
إجهاض الغير للمرأة عمداً ومن دون رضاها المادة 529 ف1 جناية موصوفة الأشغال الشاقة 5 سنوات على الأقل السجن المؤقت 5 سنوات على الأقل
إجهاض قسري دون رضاها أدى لوفاة المرأة الحامل المادة 529 ف2 جناية مشددة جداً الأشغال الشاقة 10 سنوات على الأقل السجن المؤقت 10 سنوات على الأقل

3. عذر الشرف المخفف ومفاعيله القانونية والشخصية

لم يغفل المشرع السوري الظروف البيئية والاجتماعية المعقدة التي تحيط بجرائم الإجهاض الناجمة عن علاقات غير شرعية، وقرر حماية الأسرة من الفضيحة الاجتماعية عبر إيجاد عذر مخفف خاص يرتبط بدوافع صيانة الشرف.

تنص المادة 531 من قانون العقوبات صراحة على منح عذر مخفف لفئتين:

  1. المرأة الحامل التي تجهض نفسها للمحافظة على شرفها.
  2. كل من يرتكب إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادتين 528 و529 بهدف المحافظة على شرف إحدى فروعه أو قريباته حتى الدرجة الثانية (مثل البنات، الأخوات، الأمهات).

عند ثبوت الباعث الشريف لدى محكمة الموضوع، يتم تطبيق التخفيض الإجباري المنصوص عليه في المادة 241 عقوبات على النحو التالي:

  • إذا كان الجرم جناية تستوجب عقوبة جنائية مؤقتة، تنزل العقوبة لتصبح الحبس من ستة أشهر إلى سنتين.
  • إذا كان الفعل جنحة (كإجهاض المرأة لنفسها برضاها)، تخفض العقوبة لتصبح الحبس التكديري البسيط أو الغرامة المالية المخففة.

وتجدر الإشارة من الناحية التطبيقية القضائية إلى أن عذر الشرف هو عذر شخصي ذاتي يسري أثره فقط على من قام لديه الباعث الشريف؛ فإذا قام شخص غريب بالمساعدة في الإجهاض وكان دافعه مجرد المنفعة المادية، فإنه لا يستفيد مطلقاً من العذر المخفف الممنوح للأقرباء، ويظل خاضعاً للعقوبة العادية المشددة.

4. تشديد المسؤولية على القطاع الطبي والصيدلاني

عند النظر في قضايا الإجهاض في القانون السوري، يتبين أن المشرع قرر تشديداً عقابياً رادعاً ضد ممارسي المهن الطبية والصيدلانية بموجب المادة 532 عقوبات. ويعود سبب هذا التشديد إلى خيانة الأمانة والترخيص الممنوح للأطباء والصيادلة لحماية الأرواح البشرية وصونها لا إنهائها.

يشمل هذا التشديد الأطباء، الجراحين، القابلات القانونيات، الصيادلة، ومساعديهم، سواء أكان دورهم كفاعلين أصليين، محرضين، أو متدخلين. وتترتب على إدانتهم قضائياً آثار وخيمة:

  • رفع العقوبة الجزائية: تشديد العقوبة المانعة للحرية وجوباً استناداً للمادة 247 لتصل لـ حدها الأقصى.
  • التدابير الاحترازية المسلكية: منع الجاني من مزاولة المهنة بصورة مؤقتة أو شطب اسمه نهائياً من سجلات نقابة الأطباء أو الصيادلة ووزارة الصحة، مع إمكانية إغلاق الصيدلية أو العيادة الخاصة التي ارتكبت فيها المخالفة بشكل دائم أو مؤقت ومصادرة العقاقير والمستلزمات الطبية.

5. بروتوكول الإجهاض العلاجي وحالات الضرورة الطبية

على الرغم من المنع الصارم والمطلق، يتضمن النظام الطبي السوري استثناءً وحيداً يبيح إنهاء الحمل شرعاً وقانوناً، وهو “حالة الضرورة الطبية القصوى لإنقاذ حياة الحامل من خطر الموت المحقق”. ويستند هذا المبرر قانوناً إلى نظرية “حالة الضرورة” المنصوص عليها في المادة 89 من قانون العقوبات.

وقد نظم المرسوم التشريعي رقم 12 لعام 1970 (قانون مزاولة المهن الطبية) في مادته 47 الفقرة (ب) الضوابط الطبية والبروتوكولية الدقيقة لمنع الانزلاق نحو الإجهاض الجنائي السري، وتتثبت شروط الممارسة الشرعية عبر الآتي:

  • يجب إجراء العملية من قبل طبيب توليد مختص بمشاركة واستشارة طبيب أخصائي آخر يؤكد استحالة إنقاذ حياة الأم دون إنهاء الحمل.
  • كتابة تقرير علمي مفصل ومشترك يسمى “تقرير الحاجة المبرمة للإجهاض” يثبت الحالة الصحية الحرجة للأم علمياً.
  • توقيع أربع نسخ من هذا التقرير من قبل الأطباء المعالجين والمريضة (أو زوجها أو وليها الشرعي)، حيث ترسل نسخة بموجب تقرير سري مكتوم لا يظهر اسم المريضة بل حالتها الطبية فقط إلى رئيس فرع نقابة الأطباء في المحافظة.

بموجب المادتين 31 و32 من لائحة الآداب الطبية السورية، يُلزم الطبيب بإجراء الإجهاض العلاجي فوراً إن كانت حياة الأم في خطر حاد ومستعجل وفاقدة للوعي دون انتظار موافقة الزوج أو الأقرباء، تغليباً لحق إنقاذ حياة قائمة ومستقلة على حياة جنين لم تكتمل بعد.

6. الحماية التنموية للجنين في قانون حقوق الطفل

لا تتوقف الحماية القانونية للجنين في سوريا عند الجانب الردعي العقابي الصارم لمنع الإجهاض، بل تتعداه إلى تقديم رعاية تنموية استباقية. ويمثل صدور قانون حقوق الطفل السوري رقم 21 لعام 2021 دعامة اجتماعية ورعائية هامة؛ إذ نصت المادة 15 الفقرة (أ) منه صراحة على:

“لكل من الجنين وأمه حقُّ الحصول على الرعاية الصحية والتغذية الملائمة.”

يحول هذا النص الجنين من مجرد كائن يحميه القانون من القتل، إلى شخصية قانونية تستحق الرعاية الصحية والغذائية الكاملة مجاناً في المراكز الطبية والمشافي الحكومية السورية طوال مرحلة النمو الرحمي لتجنب العيوب الوراثية وتأمين ولادة سليمة وصحية.

رغم إحكام البنية القانونية المنظمة لملف الإجهاض في القانون السوري، تفرض تحولات الواقع السلوكي والاقتصادي والاجتماعي عقب سنوات الأزمة وجود فجوة واسعة بين صرامة النص والواقع التطبيقي. ويبرز ذلك من خلال تزايد حالات طلب الإجهاض السري المدفوع بتردي الأوضاع المعيشية وتدني قدرة الأسر على تلبية الأعباء المادية المتزايدة لتربية الأطفال.

كما يعمد بعض الممارسين الطبيين لتغطية الإجهاض السري عبر تشخيصات مضللة كـ “تجريف الرحم الاستقصائي” هرباً من الملاحقة والمحاكمة الجزائية. من هذا المنطلق، يرى خبراء الترافع والتمثيل القانوني في الدعاوى القضائية في سوريا لدى “مكتب غرس القانوني” ضرورة تبني التوصيات التالية لمعالجة الفجوة القائمة:

  • إدخال تعديلات تشريعية تبيح الإجهاض بقرار طبي في حالات التشوه الخلقي الجنيني الجسيم وغير القابل للعلاج، شريطة أن يتم الإجراء في الأسابيع الأولى للحمل وتحت إشراف لجان طبية ثلاثية محايدة.
  • توفير مسارات قانونية مرنة وآمنة لإنهاء الحمل الناجم عن اعتداءات جنسية قسرية (مثل الاغتصاب أو زنا المحارم)، لحماية الضحايا من الوصمة المجتمعية والاضطراب النفسي وتفادي تزايد أعداد الأطفال مجهولي النسب.
  • فرض رقابة ميدانية صارمة وتفعيل جولات تفتيشية من وزارة الصحة ونقابة الأطباء على المشافي والعيادات النسائية وتداول العقاقير المجهضة في الصيدليات والسوق السوداء.

استشارة وتوجيه استراتيجي من مكتب غرس

إن خوض النزاعات أو الدفاع في القضايا الطبية والجنائية المرتبطة بالإجهاض يتطلب فهماً قانونياً دقيقاً لأدق تفاصيل المادة 531 والمادة 532 من قانون العقوبات وقانون مزاولة المهن الطبية السوري. يعمل فريقنا المتخصص بمكتب غرس القانوني على تمثيل الأطباء والضحايا، وصياغة الدفوع القانونية الرصينة أمام المحاكم السورية لضمان عدالة المحاكمة وحفظ الحقوق.

لا تتردد في طلب الاستشارة المتخصصة وحماية مستقبلك المهني والأسري بالتواصل الفوري مع مستشارينا.

هل تحتاج استشارة قانونية؟

فريقنا من المحامين المتخصصين جاهز لمساعدتك. تواصل معنا الآن للحصول على استشارة مجانية.

اتصل الآن واتساب البريد الإلكتروني

متاحون من الأحد إلى الخميس، 9 صباحاً - 5 مساءً

المساعد القانوني الذكي
مرحباً بك في مكتب غرس القانوني، كيف يمكنني مساعدتك ؟
جاري المعالجة...
المساعد الذكي