الخطأ الطبي في القانون السوري: حدود مسؤولية الطبيب والصيدلاني جزائياً

الخطأ الطبي في القانون السوري: حدود مسؤولية الطبيب والصيدلاني جزائياً

تعتبر الممارسة الطبية والصيدلانية من أكثر المهن المحاطة بالمسؤولية الأخلاقية والجزائية في سوريا، فالغلطة الفنية هنا قد تنهي مسيرة مهنية استمرت لسنوات، أو تضع صاحبها خلف القضبان. ولهذا السبب، حرص المشرّع على رسم خطوط فاصلة واضحة تُحدد مفهوم الخطأ الطبي في القانون السوري وكيفية محاسبة مرتكبيه دون المساس بحق الكوادر الصحية في ممارسة عملهم بأمان وثقة علمية.

في هذا الدليل القانوني، نوضح الحدود الفاصلة للمسؤولية الجزائية والمدنية التي تقع على عاتق الأطباء والصيادلة، وكيف يتعامل القضاء السوري مع هذه القضايا الحساسة.

تكييف الخطأ الطبي في القانون السوري

لا يعاقب القانون الطبيب أو الصيدلاني لمجرد عدم التوصل إلى شفاء المريض، فالمرض بحد ذاته قد يحمل مسارات طبيعية معقدة. لكن نقطة التحول التي تثير المسؤولية هي ارتكاب الخطأ الطبي في القانون السوري نتيجة التقصير، أو قلة الاحتراز، أو الجهل الفاضح بالقواعد العلمية الأساسية التي لا يفترض في أي ممارس من نفس المستوى والدرجة العلمية ارتكابها.

ينظر القضاء إلى سلوك الطبيب مقارنةً بسلوك “طبيب معتاد” وُضع في الظروف الخارجية نفسها. فإذا ثبت أن الإهمال أو مخالفة الأصول المهنية هي السبب المباشر لتدهور حالة المريض، تبدأ الملاحقة القضائية فوراً.

متى يُجرم الطبيب؟ تصنيف العقوبات وحالات السجن

تتنوع التبعات الجزائية المترتبة على الأطباء بحسب طبيعة الأثر الجسدي والتعطيل الناجم عن الخطأ الفني. وتتوزع هذه العقوبات وفق التدرج القانوني الآتي:

  • الإيذاء البسيط (تعطيل أقل من 10 أيام): عندما يثبت أن تقصير الطبيب تسبب بضرر مؤقت يزول خلال أيام معدودة، يعاقب بالحبس التكديري أو الجنحي الذي قد يصل إلى ستة أشهر، مع إمكانية الحكم بالغرامة المالية أو بالبرنامجين معاً.
  • الإيذاء المتوسط (تعطيل من 10 إلى 20 يوماً): ترتفع العقوبة هنا لتصل إلى الحبس لمدة سنة كاملة تفرضها محكمة الجنح، ترافقها الغرامة المالية لتعويض الضرر المعنوي والمادي.
  • الإيذاء الشديد (تعطيل أكثر من 20 يوماً): في حال تسبب التقصير بعجز أو ضرر وظيفي يمنع المريض من ممارسة حياته لأكثر من عشرين يوماً، يقضي القانون بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات مع الغرامة القانونية المتوجبة.
  • العاهة الدائمة (كفقدان عضو أو حاسة): تخرج القضية هنا من نطاق الجنحة البسيطة لتصبح جناية موصوفة، حيث يُعاقب الطبيب بالأشغال الشاقة المؤقتة التي قد تمتد حتى عشر سنوات كاملة.
  • الوفاة نتيجة الإهمال: عندما يؤدي الخطأ المباشر أو التقصير الجسيم إلى فقدان حياة المريض، تتدخل محكمة الجنح لفرض عقوبة الحبس من ستة أشهر وحتى ثلاث سنوات.

بالإضافة إلى هذه التصنيفات المرتبطة بالأضرار الجسدية، تلاحق النيابة العامة الطبيب في حالات جنائية ومسلكية أخرى تشمل مزاولة المهنة دون ترخيص قانوني مسبق، أو إفشاء أسرار المرضى دون موجب قضائي، أو تزوير التقارير الطبية وإعطاء شهادات كاذبة، والقيام بعمليات الإجهاض غير القانونية والمخالفة للأنظمة العامة.

متى يقع الصيدلاني تحت طائلة القانون الجزائي والمدني؟

المسؤولية القانونية لا تقتصر على غرف العمليات والعيادات، بل تمتد مباشرة إلى الصيدليات. الصيدلاني يتحمل مسؤولية جنائية ومدنية كاملة عن صرف العقاقير ومراقبتها، ويُجرم قانوناً في حالات أساسية تمس سلامة المرضى:

أولاً، قيام الصيدلاني بصرف أدوية تتطلب وصفة طبية دون وجودها فعلياً، مما يعرض المريض لخطر التسمم الدوائي أو الإدمان. ثانياً، بيع أو صرف عقار مغشوش أو منتهي الصلاحية مع العلم المسبق بحالته، وهو ما يرفع الجرم من دائرة الإهمال إلى مرتبة القصد الجرمي غير المباشر. ثالثاً، الخطأ في تركيب الوصفات الدوائية أو تسليم جرعات خاطئة بسبب قلة الانتباه وسوء الفهم لتعليمات الطبيب. ورابعاً، حيازة أو بيع الأدوية المهربة أو المحظورة التي لم يتم ترخيصها وتدقيقها من قبل الجهات الرقابية بوزارة الصحة.

ثمة قاعدة فقهية مستقرة تحمي الأطباء والصيادلة من الدعاوى الكيدية والملاحقات غير الموضوعية؛ فالقانون يفرض على المهنيين بذل العناية والجهد المتوقع من نظير معتاد، وليس ضمان الشفاء التام.

المضاعفات الطبية المعروفة علمياً والمثبتة في أمهات الكتب الطبية، والتي تحدث رغم الالتزام التام بالأصول الفنية والبروتوكولات العلاجية المعتمدة، لا تقع تحت طائلة التجريم القانوني. طالما أن الطبيب قد استنفد جهده العلمي ومارس اختصاصه بيقظة، فلا يلام على النتيجة السيئة التي لا يد له فيها.

آلية الملاحقة القانونية وإثبات الخطأ الطبي في المحاكم

نظرًا لطبيعة القضايا الفنية، وضع المشرّع شروطاً صارمة للبدء بأي إجراءات قانونية بحق الكوادر الطبية. فلا يجوز إطلاقاً اتخاذ قرار بالحبس الاحتياطي أو الإدانة دون الاعتماد على لجان خبرة طبية ثلاثية متخصصة تُشكلها المحكمة لتشخيص الواقعة بدقة وتحديد نسبة الخطأ المنسوبة للطبيب.

كذلك، يقع على عاتق المريض المدعي عبء ثقيل في الإثبات؛ إذ يتوجب عليه قانوناً إثبات ثلاثة أركان مجتمعة للمطالبة بالتعويض أو العقوبة: وجود الخطأ المهني الصارخ، وقوع ضرر حقيقي وملموس، ووجود رابطة سببية مباشرة تثبت أن هذا الخطأ هو السبب الفعلي والوحيد لظهور هذا الضرر.

إن مواجهة هذه الادعاءات أو تنظيم دعاوى التعويض العادلة يستلزم دائماً الاستعانة بخبرات قانونية دقيقة. وفي حال تعرضتم لادعاء مهني أو رغبتم في المطالبة بحقوقكم، فإن مكتب غرس القانوني يقدم الاستشارات المتقدمة ومتابعة مختلف الدعاوى القضائية في سوريا لضمان سلامة إجراءاتكم وحماية حقوقكم المهنية والمدنية بشكل كامل، بما يتماشى مع الضوابط الرسمية المعتمدة لدى وزارة العدل السورية لتطوير تشريعات المسؤولية الطبية.

هل تحتاج استشارة قانونية؟

فريقنا من المحامين المتخصصين جاهز لمساعدتك. تواصل معنا الآن للحصول على استشارة مجانية.

اتصل الآن واتساب البريد الإلكتروني

متاحون من الأحد إلى الخميس، 9 صباحاً - 5 مساءً

المساعد القانوني الذكي
مرحباً بك في مكتب غرس القانوني، كيف يمكنني مساعدتك ؟
جاري المعالجة...
المساعد الذكي