إبطال تصرفات المريض مرض الموت في القانون السوري
تشهد أروقة المحاكم السورية العديد من النزاعات القضائية بين الورثة بعد وفاة مورثهم، خاصة عندما يتبين أن المورث قد تصرف ببعض أملاكه العقارية أو المالية بالبيع أو الهبة خلال فترته الصحية الأخيرة. ولأن هذه التصرفات قد تنطوي في كثير من الأحيان على رغبة في تفضيل أحد الورثة على حساب الآخرين، أو حرمان بعض المستحقين، أو تهريب الأموال من الدائنين، فقد وضع القانون السوري قواعد دقيقة ومشددة لتنظيم وتحديد مصير التصرفات الصادرة عن المريض في مرض الموت.
جدول المحتويات
تعريف مرض الموت وشروطه في القانون السوري
لكي يكتسب المرض الصفة القانونية لـ “مرض الموت” وتترتب عليه القيود والأحكام الاستثنائية للتصرفات، استقر الفقه والقضاء السوري على وجوب توافر ثلاثة شروط مجتمعة:
- عجز المريض: أن يؤدي المرض إلى عجز الشخص عن القيام بأعماله المعتادة ومتابعة شؤونه اليومية المألوفة لأمثاله.
- غلبت الهلاك: أن يكون المرض من الأمراض الخطيرة التي يغلب فيها الموت طبياً وعرفاً، مما يولد لدى المريض شعوراً بدنو الأجل وقرب الوفاة.
- حدوث الوفاة: أن ينتهي المرض بوفاة المريض فعلياً خلال مدة لا تتجاوز سنة واحدة من تاريخ بدء المرض وعجز المريض. فإذا امتد المرض لأكثر من سنة دون أن يشتد وتوفى الشخص بعد ذلك، اعتبر تصرفه صحيحاً وصادراً عن شخص سليم، إلا إذا اشتد عليه المرض في فترته الأخيرة وتوفي نتيجة هذا الاشتداد.
حكم تصرف المريض مرض الموت لصالح أحد ورثته
يعد تصرف المريض بالبيع أو الهبة أو التنازل لصالح أحد ورثته من أكثر الحالات إثارة للنزاع. وقد حسم القانون السوري هذا الأمر باعتبار هذا التصرف في حكم الوصية المستترة. وبما أن أحكام الشريعة الإسلامية وقانون الأحوال الشخصية السوري تقضي بأنه لا وصية لوارث، فإن التصرف الصادر لصالح وارث لا ينفذ بحق بقية الورثة بمجرد الوفاة.
وبناءً على ذلك، يحق للورثة الآخرين المطالبة بعدم نفاذ هذا البيع أو التنازل واستعادة العقار أو المال إلى التركة المشتركة لتقسيمه وفق الأنصبة الشرعية، ما لم يوافق جميع الورثة صراحة وبإرادتهم الحرة على إجازة هذا التصرف بعد وفاة مورثهم. وتعتبر موافقتهم خلال حياة المورث غير معتد بها قانوناً لأن الحق في الإرث لا ينشأ إلا بعد الوفاة.
حكم التصرف لصالح شخص أجنبي (غير وارث)
إذا تصرف المريض مرض الموت بالبيع أو الهبة لشخص أجنبي لا يمت له بصلة قرابة تمنحه حق الإرث، فإن القانون يتعامل مع هذا التصرف بمرونة أكبر تقديراً لحرية الشخص في التصرف بماله، ولكن مع حماية الورثة في ذات الوقت:
ينفذ التصرف الصادر للأجنبي في حدود ثلث التركة الصافية (بعد سداد الديون وتجهيز الميت) دون حاجة لأخذ موافقة الورثة. أما إذا تجاوزت قيمة العقار أو المال المتصرف به ثلث التركة، فإن الزيادة عن الثلث تتوقف على إجازة الورثة؛ فإذا رفضوها، بطل التصرف فيما زاد عن الثلث واسترد الورثة هذه الزيادة لصالح التركة.
البيع بثمن بخس ومحاباة الورثة في مرض الموت
يلجأ بعض الملاك في مرض الموت إلى إخفاء الهبة أو التنازل تحت غطاء عقد بيع قطعي وتدوين ثمن رمزي أو بخس جداً لا يتناسب مطلقاً مع القيمة الحقيقية للعقار المتصرف به. وفي هذه الحالة، ينظر القضاء السوري إلى حقيقة التصرف لا إلى مسمياته الصورية.
فإذا ثبت أن الثمن المدفوع يقل بكثير عن قيمة العقار الرائجة وقت التصرف، فإن الفرق بين الثمنين يعتبر هبة وتبرعاً مستتراً. وتطبق على هذا الفارق أحكام تصرفات المريض مرض الموت؛ فإن كان المشتري وارثاً، بطل التصرف في الفارق ما لم يجزه الورثة. وإن كان المشتري أجنبياً، خضع الفارق لحدود ثلث التركة.
إجراءات إقامة دعوى إبطال التصرف وطرق إثباتها
تقام دعوى إبطال تصرفات المورث (أو دعوى تقرير عدم نفاذ التصرف) أمام محكمة البداية المدنية التي يقع العقار في دائرتها. ويشترط لرفعها أن تثبت واقعة الوفاة أولاً، وأن يبادر الورثة المتضررون إلى قيد إشارة الدعوى على الصحيفة العقارية لدى السجل العقاري لضمان عدم قيام المشتري ببيع العقار لأطراف أخرى حسنة النية وتصعيب استرداده.
ويجوز للورثة إثبات صورية العقد ووقوعه في مرض الموت بجميع وسائل الإثبات القانونية، بما في ذلك شهادة الشهود، والقرائن القضائية، والتقارير الطبية الرسمية التي توضح حالة المورث الصحية وتاريخ دخوله المشفى وتدهور حالته العقلية أو الجسدية حتى الوفاة. وتعد هذه الإجراءات جزءاً أساسياً لحماية الحقوق العقارية المسجلة في السجل العقاري.
لمعرفة المزيد حول كيفية قيد إشارات الدعاوى وحفظ الحقوق في الدوائر العقارية السورية، يرجى زيارة قسم السجل العقاري في موقعنا للاطلاع على الأدلة العملية المفصلة.
كما يمكنكم مراجعة النصوص الكاملة للقانون المدني وقوانين السجل العقاري السورية عبر الموقع الرسمي لـ مجلس الشعب السوري.