الدعوى البوليصية في القانون المدني السوري: شروط حماية الدائن من تهريب أموال المدين
يواجه الدائنون في كثير من الأحيان سلوكيات احتيالية من بعض المدينين الذين يعمدون إلى تهريب أموالهم وأصولهم العقارية أو المالية إلى أقاربهم أو أطراف أخرى للتخلص من التزاماتهم المالية وإعسار ذمتهم عمداً لمنع الدائن من الحجز عليها. لمواجهة هذه الممارسات وحماية الضمان العام للدائنين، قرر القانون المدني السوري نظاماً قانونياً فعالاً يُعرف باسم “الدعوى البوليصية” أو “دعوى عدم نفاذ تصرفات المدين في مواجهة دائنيه”، مما يتيح للدائن إبطال نفاذ هذه التصرفات الاحتيالية واسترداد الأموال للتنفيذ عليها.
جدول المحتويات
- ما هي الدعوى البوليصية وأهميتها؟
- الشروط الخاصة بالدائن وحقه المالي
- الشروط المتعلقة بتصرف المدين الخاضع للطعن
- التفرقة بين تصرفات المعاوضة والتبرع وشروط التواطؤ
- الآثار القانونية المترتبة على صدور الحكم بالدعوى
ما هي الدعوى البوليصية وأهميتها؟
نظم المشرع السوري أحكام الدعوى البوليصية في المواد من 238 إلى 244 من القانون المدني السوري. وتعد هذه الدعوى وسيلة قانونية موضوعة لحماية الدائنين من إعسار مدينهم المفتعل. وتستهدف الدعوى إعلان عدم نفاذ التصرف الذي قام به المدين إضراراً بدائنيه، بحيث يستطيع الدائن التنفيذ على المال المتصرف فيه وكأنه ما زال جزءاً من الذمة المالية للمدين.
الشروط الخاصة بالدائن وحقه المالي
لكي يقبل القضاء السوري رفع الدعوى البوليصية من الدائن، يجب توافر شروط معينة في الحق الشخصي للدائن:
- أن يكون الحق مستحق الأداء: لا يجوز للدائن الذي لم يحل أجل دينه بعد، أو الذي يعلق حقه على شرط واقف، أن يطالب بعدم نفاذ تصرفات مدينه.
- أسبقية الحق في التاريخ: يجب أن يكون دين الدائن قد نشأ وثبت تاريخه قبل صدور التصرف المطعون فيه من المدين. فالتصرفات السابقة على نشوء الدين لا يجوز الطعن فيها بالدعوى البوليصية كأصل عام.
الشروط المتعلقة بتصرف المدين الخاضع للطعن
لا يملك الدائن سلطة التدخل في جميع تصرفات المدين، بل تقتصر الدعوى البوليصية على التصرفات التي تتوفر فيها الشروط الآتية:
- التصرف المالي الناقل للملكية: يجب أن يكون التصرف صادراً من المدين بإرادته ويكون من شأنه إخراج مال أو حق من ذمته المالية (كالبيع، الهبة، المقايضة). وبالتالي لا تشمل الدعوى امتناع المدين عن كسب حق كرفض قبول هبة أو التنازل عن إرث قبل ثبوته.
- إحداث الإعسار أو زيادته: يجب أن يؤدي هذا التصرف مباشرة إلى إعسار المدين (أي أن تصبح ديونه ومطلوباته أكثر من حقوقه وأصوله) أو زيادة هذا الإعسار بحيث يعجز الدائن عن استيفاء حقه الفعلي.
التفرقة بين تصرفات المعاوضة والتبرع وشروط التواطؤ
وضعت المادة 239 من القانون المدني السوري معياراً دقيقاً للتمييز بين نوعين من التصرفات عند إثبات سوء النية والتواطؤ:
أولاً، تصرفات المعاوضة (كالبيع أو الإيجار بمقابل): يشترط لعدم نفاذ التصرف إثبات انطواء تصرف المدين على الغش بقصد الإضرار بالدائن، وأن يكون المشتري (المتصرف له) على علم بهذا الغش والإعسار وقت البيع. فإذا كان المشتري حسن النية ولم يكن يعلم بإعسار البائع، لا تنفذ الدعوى البوليصية في مواجهته حماية للاستقرار التعاقدي.
ثانياً، تصرفات التبرع (كالهبة والتنازل المجاني): هنا يرجح القانون مصلحة الدائن الباحث عن حقه المالي على مصلحة المتبرع له الباحث عن كسب مجاني. لذلك، لا ينفذ تصرف التبرع في حق الدائن بمجرد ثبوت إعسار المدين، دون حاجة لإثبات غش المدين أو سوء نية المتبرع له.
الآثار القانونية المترتبة على صدور الحكم بالدعوى
يترتب على الحكم بقبول الدعوى البوليصية أثر خاص ودقيق، وهو “عدم نفاذ التصرف” في مواجهة الدائن المدعي فحسب. هذا يعني أن البيع أو الهبة يظلان صحيحين ومنتجين لآثارهما بين المدين والمتصرف له، ولكنهما يعتبران كأن لم يكن بالنسبة للدائن المدعي، بحيث يجوز له إلقاء الحجز على العين المتصرف فيها والتنفيذ عليها بالبيع بالمزاد العلني لاستيفاء دينه.
إن متابعة هذه الإجراءات تتطلب معرفة دقيقة بآليات التنفيذ وسير الدعاوى القضائية في سوريا لضمان السرعة والفاعلية في تحصيل الحقوق المالية الفائتة.
للاطلاع التفصيلي على مواد القانون المدني السوري والتعديلات التشريعية الجارية، يرجى التوجه إلى الموقع الإلكتروني لـ مجلس الشعب السوري.