المسؤولية الطبية وجرائم الأخطاء الطبية في القانون السوري
يعد العمل الطبي من أسمى المهن الإنسانية التي تقوم على إنقاذ الأرواح وتخفيف آلام البشر؛ ونظراً لطبيعة هذا العمل المعقدة التي تتعامل مع جسد الإنسان وحياته، فإن أي تقصير أو إهمال قد تترتب عليه عواقب وخيمة تهدد حياة المريض. وفي المقابل، يواجه الأطباء تحديات يومية ومخاطر علمية أثناء الجراحات المعقدة. فما هي حدود المسؤولية القانونية للطبيب في سوريا؟ وما هو الخيط الرفيع الفاصل بين الخطأ الطبي الموجب للمسؤولية والاختلاط الطبي (المضاعفة) المبرر قانوناً؟ وما هو دور اللجان الطبية أمام المحاكم؟
يقدم لكم “مكتب غرس القانوني” هذا الدليل القانوني التخصصي الشامل لشرح المسؤولية الطبية والأخطاء الطبية في القانون السوري، والمسؤوليات الجزائية والمدنية والمسلكية المترتبة على الأطباء والمستشفيات، مدعماً بالمواد التشريعية واجتهادات محكمة النقض.
جدول المحتويات
- أولاً: متى يكون العمل الطبي مبرراً ومباحاً قانوناً؟
- ثانياً: الفرق الجوهري بين الخطأ الطبي والاختلاط (المضاعفة)
- ثالثاً: المسؤولية الجزائية والعقوبات المترتبة على الخطأ الطبي
- رابعاً: المسؤولية المدنية والتعويض عن الأضرار الطبية
- خامساً: دور اللجنة الطبية الثلاثية كخبير فني للقضاء
- سادساً: كيف يساعدك مكتب غرس القانوني في قضايا الأخطاء الطبية؟
أولاً: متى يكون العمل الطبي مبرراً ومباحاً قانوناً؟
يعتبر جسد الإنسان مصوناً بموجب الدستور والقوانين، وأي مساس به يقع تحت طائلة جرم الأذى أو القتل الجنائي. ومع ذلك، أباح المشرع السوري العمل الطبي والجراحي واعتبره فعلاً مبرراً بموجب المادة 185 من قانون العقوبات السوري، بشرط استجماعه للشروط الآتية:
- أن يكون الطبيب مرخصاً له قانوناً بمزاولة مهنة الطب البشري أصولاً من وزارة الصحة ونقابة الأطباء.
- أن يتم العمل الطبي برضا المريض الصريح أو الضمني (أو رضا ولي أمره في حال غيابه عن الوعي أو كونه قاصراً)، ما لم تكن هناك حالة إسعافية عاجلة تمنع الحصول على الرضا.
- أن يلتزم الطبيب التزاماً تاماً بالقواعد العلمية المستقرة وأصول الفن الطبي المعتمد وقت إجراء العمل العلاجي.
فإذا تخلف أحد هذه الشروط (كأن يمارس العمل شخص غير طبيب، أو يجري الطبيب عملية جراحية اختيارية دون رضا المريض)، زالت صفة الإباحة وخضع الفاعل للمسؤولية الجزائية المباشرة.
ثانياً: الفرق الجوهري بين الخطأ الطبي والاختلاط (المضاعفة)
يعد التمييز بين هذين المفهومين أهم عقبة فنية تواجه القضاء، لما يترتب عليه من ثبوت الإدانة أو البراءة:
1. الخطأ الطبي (Medical Error)
هو انحراف الطبيب عن السلوك الطبي المعتاد وقواعد الفن الطبي المستقرة التي يفترض فيمن هو في مثل تخصصه ودرجته العلمية الإلمام بها وتطبيقها. ويقع الخطأ الطبي نتيجة:
- الإهمال وتقصير الرعاية: كترك أدوات جراحية داخل جسد المريض، أو عدم مراقبة العلامات الحيوية بعد العمل الجراحي.
- قلة الاحتراز والسرعة غير المبررة: كإجراء جراحة خطيرة دون طلب التحاليل الأساسية اللازمة.
- الجهل الفاضح بأصول المهنة: عدم معرفة الطبيب بأساسيات تخصصه أو ارتكاب خطأ علمي فادح لا يقع فيه طبيب مبتدئ.
2. الاختلاط الطبي أو المضاعفة (Medical Complication)
هو أثر جانبي أو تعقيد طبي محتمل الحدوث وعروف علمياً في المراجع الطبية المعتمدة، يحدث للمريض نتيجة استجابة جسده للعلاج أو كنسبة فشل طبيعية مقرة علمياً للعمل الجراحي، بالرغم من التزام الطبيب الكامل بكافة الأصول والتحذيرات وبذله العناية القصوى. وفي هذه الحالة، لا يسأل الطبيب جزائياً أو مدنياً لانتفاء ركن الخطأ والتقصير في جانبه.
وإذا رغبتم في معرفة النصائح العامة لإعداد الدفوع وجمع الأدلة قبل النزاع القضائي، يرجى الاطلاع على مقالنا 10 نصائح قانونية قبل رفع أي دعوى قضائية في سوريا.
ثالثاً: المسؤولية الجزائية والعقوبات المترتبة على الخطأ الطبي
إذا ثبت وقوع خطأ طبي أدى لضرر جسيم للمريض، يتحرك الحق العام وتنعقد المسؤولية الجزائية للطبيب أمام محاكم الجنح (بداية الجزاء)، وتختلف العقوبة بحسب النتيجة:
- التسبب بالوفاة غير المقصود (المادة 550 عقوبات): إذا أدى الإهمال الطبي أو قلة الاحتراز إلى وفاة المريض، يعاقب الطبيب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات مع الغرامة المالية.
- التسبب بالأذى أو العاهة المستديمة غير المقصود (المادة 551 عقوبات): إذا أدى الخطأ إلى أذى جسدي أو عجز أو عاهة مستديمة للمريض، يعاقب الطبيب بالحبس حتى سنة واحدة أو بغرامة مالية بحسب مدة التعطيل عن العمل ونسبة العجز الحاصلة.
رابعاً: المسؤولية المدنية والتعويض عن الأضرار الطبية
تهدف المسؤولية المدنية إلى تعويض المريض المتضرر (أو ورثته في حال وفاته) تعويضاً مالياً عادلاً يجبر الضرر المادي والمعنوي اللاحق به بموجب المادة 164 من القانون المدني السوري (المسؤولية التقصيرية):
- بذل عناية لا تحقيق نتيجة: التزام الطبيب تجاه المريض في الحالات العلاجية العامة هو التزام ببذل عناية وليس بتحقيق نتيجة شفاء كاملة. فإذا بذل الطبيب العناية المعتادة ولم يبرأ المريض، فلا مسؤولية عليه.
- تحقيق نتيجة: يتحول التزام الطبيب إلى التزام بتحقيق نتيجة في مجالات محددة؛ مثل تحاليل الدم المخبرية (حيث يجب أن تكون النتيجة دقيقة)، وتركيب الأطراف الصناعية، وبعض جراحات التجميل التحسينية غير العلاجية، حيث يُسأل الطبيب بمجرد عدم تحقق النتيجة ما لم يثبت السبب الأجنبي.
خامساً: دور اللجنة الطبية الثلاثية كخبير فني للقضاء
نظراً لافتقار القضاة للمعلومات الطبية التخصصية، تعتمد المحكمة في قضايا الأخطاء الطبية بشكل أساسي على “الخبرة الطبية”. حيث يتم تشكيل لجنة طبية تخصصية ثلاثية من الأطباء الاستشاريين المرشحين من نقابة الأطباء أو المسجلين في جدول الخبراء بالمحكمة، وتكلف اللجنة بالآتي:
- دراسة الإضبارة الطبية للمريض وسجلات المستشفى بدقة.
- فحص المريض جسدياً وتحديد الأضرار والنسب المئوية للعجز إن وجدت.
- تحديد طبيعة الخطأ الطبي بشكل حاسم، وبيان ما إذا كان الحادث نتيجة خطأ وإهمال أم مضاعفة طبية طبيعية.
- إثبات وجود رابطة السببية المباشرة بين الخطأ المنسوب للطبيب والضرر النهائي المشكو منه.
وعلى الرغم من أن تقرير اللجنة الطبية يخضع لتقدير المحكمة، إلا أن القضاة يستندون إليه بشكل شبه كامل كبينة تخصصية فنية لإصدار الأحكام بالإدانة أو البراءة.
سادساً: كيف يساعدك مكتب غرس القانوني في قضايا الأخطاء الطبية؟
تعد دعاوى الأخطاء والمسؤولية الطبية من أصعب وأدق الدعاوى القضائية في سوريا؛ حيث تتطلب صياغة الدفوع القانونية وفهم المصلحة الطبية، ودراسة التقارير الفنية للطعن بها أو تفنيدها أمام المحكمة. وفي مكتب غرس القانوني بدمشق، يتولى مستشارونا المتخصصون تمثيل المرضى المتضررين للمطالبة بالتعويضات العادلة ومتابعة الدعاوى الجزائية والشكاوى أمام نقابة الأطباء، كما يتولى فريقنا الدفاع عن الأطباء والمستشفيات بمواجهة الادعاءات الكيدية وغير المؤسسة علمياً عبر إعداد الدفوع الفنية وطلب الخبرات الطبية التخصصية المناسبة لضمان سير العدالة.
للحصول على استشارة قانونية تخصصية، تفضل بزيارة قسم الدعاوى والتقاضي القضائي في سوريا والتواصل مع فريقنا مباشرة.
وللاطلاع على القوانين والمراسيم السورية النافذة المتعلقة بالأحوال الشخصية والمعاملات المدنية، يرجى زيارة الموقع الرسمي لـ مجلس الشعب السوري.
اقرأ أيضاً تفاصيل حول تأسيس الشركات في سوريا في سوريا.