مبدأ الاسمية النقدية والتحوط من التضخم في العقود في القانون السوري
تُواجه الالتزامات المالية والعقود طويلة الأجل في سوريا إشكالية قانونية واقتصادية كبيرة؛ تتمثل في التباين المتزايد بين “القيمة الاسمية للعملة” و“القوة الشرائية الفعلية” وقت الوفاء. يُرسخ القانون المدني السوري مبدأ الاسمية النقدية، حيث يُلزم المدين بسداد القيمة المحددة بالعملة الوطنية بغض النظر عن انخفاض قوتها التبادلية، مما يضع المتعاقدين أمام حاجة ماسة للتحوط من التضخم بأساليب قانونية سليمة لا تخالف أحكام النظام العام النقدي.
أولاً: مفهوم مبدأ الاسمية النقدية والتمييز بين وسيلة الوفاء ومعيار القيمة
يقضي مبدأ الاسمية النقدية بأن النقود هي وسيلة إبراء الذمة الوحيدة، وأن العبرة في سداد الديون هي بالعدد المكتوب للعملة الوطنية وقت نشوء الالتزام. ولكن عند ارتفاع معدلات التضخم، يُصيب الدائن ضررٌ مباشر نتيجة استرداد مبلغ يفقد جزءاً كبيراً من قيمته الاقتصادية الحقيقية.
ولمعالجة هذه الإشكالية، فرق الفقه القانوني بقيادة الدكتور عبد الرزاق السنهوري والاجتهاد القضائي السوري بين مفهومين جوهريين:
- وسيلة الدفع والوفاء (Payment Medium): ويُشترط فيها حصراً أن تكون بالليرة السورية استناداً لأحكام النظام العام والتشريعات النقدية الصارمة.
- معيار القيمة وقياس القوة الشرائية (Value Measurement Benchmark): وهو استخدام مؤشر مرجعي قياسي يُحدد قيمة الالتزام دون التعامل المباشر بالعملة الأجنبية.
ثانياً: الآليات القانونية الثلاث للتحوط من التضخم في العقود السورية
1. البند المرجعي للعملة مع التزام الوفاء الحصري بالليرة السورية
يُبطل القانون السوري أي عقد ينص على الدفع المباشر بالعملة الأجنبية لمخالفته المرسوم التشريعي رقم 54 لعام 2013. لكن يُمكن النص في البند المالي على أن القيمة المحددة تعادل قيمة عدد معين من العملة الأجنبية كمعيار قياسي، على أن يُسدد المبلغ كاملاً بالليرة السورية وفق النشرة الرسمية الصادرة عن مصرف سوريا المركزي بتاريخ الوفاء الاستحقاقي.
2. الذهب كمعيار قياسي وزني للتحوط
يُعد الذهب في القانون السوري سلعة تجارية وليس عملة نقدية؛ ولذلك فإن الاتفاق على تقويم ثمن المبيع أو الالتزام بوزن محدد من الذهب (مثل: 500 غرام ذهب عيار 21) هو إجراء مشروع تماماً. ويتم الوفاء بسداد ما يعادل قيمة هذا الوزن بالليرة السورية يوم الوفاء، مما يضمن الحفاظ على القوة الشرائية وتجنب المساءلة الجزائية.
3. الشرط الجزائي والتعويض الاتفاقي عن تغير القوة الشرائية
استناداً للمواد (135، 224، 225) من القانون المدني السوري، يجوز للمتعاقدين التوافق على تعويض اتفاقي لاحق للوفاء يُقدر بالليرة السورية الجديدة؛ وذلك لجبر الضرر الفعلي المباشر الذي يلحق بالدائن نتيجة التأخير أو انخفاض القوة الشرائية للعملة الوطنية، حيث تُ سلطة القضاء في تعديل الشرط إذا ثبت وقوع ضائقة اقتصادية أو ضرر محقق.
ثالثاً: كيفية صياغة الشروط المالية لتجنب البطلان والملاحقة
لتأمين البنود العقدية وضمان عدم بطلانها أمام المحاكم السورية، يوصى باتباع الضوابط التالية:
- تجنب ذكر كلمة “دفع” أو “تسديد” بالدولار أو العملات الأجنبية مطلقاً.
- التأكيد الصريح على أن الليرة السورية هي أداة الوفاء الوحيدة وإبراء الذمة الحصري.
- النص على أن المؤشر المرجعي يُستخدم حصراً كمعيار لقياس القوة الشرائية وجبر الضرر.
لمزيد من التفاصيل حول صياغة العقود وتأمين الالتزامات المالية، يمكنك قراءة مقالنا المفصل عن الشرط الجزائي وصياغة العقود في القانون المدني السوري. كما يمكنك الاطلاع على التشريعات الرسمية الصادرة عبر موقع مجلس الشعب السوري.