عقوبة الدجل والشعوذة في القانون السوري وتكييفها الجرمي
تُعد عقوبة الدجل والشعوذة في القانون السوري من المواضيع القانونية الشائكة التي تتقاطع فيها المخالفات التكديرية البسيطة مع الجرائم المالية الجسيمة مثل الاحتيال والنصب. في ظل تنامي استغلال الجناة للغيبيات والمعتقدات الروحية لسلب أموال المواطنين، وضع المشرع السوري ضوابط صارمة تهدف إلى حماية السلامة المالية والذهنية للأفراد، مميزاً بدقة بين مجرد الادعاء الشفهي البسيط والمناورات المادية المنظمة التي تسلب إرادة الضحايا طواعية.
أولا: كيف ينظم المشرع السوري أعمال السحر والغيبيات؟
تختلف عقوبة الدجل والشعوذة في القانون السوري باختلاف الوسائل المستخدمة في الخداع ومدى جسامة الضرر المالي المترتب عليها. في البداية، ينظر القانون السوري إلى ممارسات قراءة الكف والتنجيم وتفسير الأحلام بقصد الربح المادي كـ “مخالفة تكديرية” تمس الآداب العامة والنظام العام، وتخضع مباشرة لأحكام المادة /754/ من قانون العقوبات العام.
وتتمثل العقوبة في هذه الحالة البسيطة بالحبس التكديري الذي يتراوح بين يوم واحد وعشرة أيام، إلى جانب فرض غرامة مالية ومصادرة كافة المواد والأدوات المستخدمة في أعمال التضليل. وبموجب التعديلات العقابية الشاملة التي أقرها القانون رقم /15/ لعام 2022، جرى تعديل الغرامات التكديرية لتصبح بين 25,000 ليرة سورية كحد أدنى وتصل إلى 100,000 ليرة سورية كحد أقصى.
أما في حال عود الجاني وتكراره لارتكاب ذات الفعل، فإن السياسة الجنائية تشدد العقوبة لتصل إلى الحبس الجنحي لمدة تصل إلى ستة أشهر، مع إمكانية اتخاذ تدبير احترازي إضافي يتمثل في إبعاد وتسفير الجاني خارج أراضي الجمهورية العربية السورية بقرار قضائي معلل إذا كان يحمل جنسية أجنبية.
ثانيا: معايير التحول من مخالفة بسيطة إلى جنحة الاحتيال والنصب
لا تقتصر الملاحقة القضائية على المخالفة التكديرية البسيطة إذا اقترنت الممارسة بأفعال مادية تُخرجها إلى فضاء “المناورات الاحتيالية”. وهكذا، يتضح أن تشديد عقوبة الدجل والشعوذة في القانون السوري يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى لجوء الجاني إلى وسائل كاذبة ومدروسة لإقناع الضحية بتسليم ماله، وهو ما ينقل الجرم إلى بند الاحتيال الخاضع للمادة /641/ من قانون العقوبات.
ولتحقيق هذا التحول الجرمي، يجب أن يستعين الدجال بمظاهر خارجية تؤيد ادعاءاته الكاذبة وتولد الوهم في نفس المجني عليه، ومن أهم هذه المظاهر:
- تأصيل بيئة الخداع (الدسائس): كتهيئة غرف مظلمة، واستخدام مؤثرات بصرية وصوتية، أو إشعال أنواع معينة من البخور لإيهام الضحية بحضور الأرواح وفك الأسلاك والربط الروحي.
- الاستعانة بطرف ثالث: قيام المشعوذ بتوظيف شركاء يدعون المرض وتماثلهم للشفاء الكامل على يديه أمام الضحية، بهدف تجريدها من الحيطة والحذر وحملها على تسليم مبالغ مالية ضخمة.
- انتحال صفة غير صحيحة: ادعاء الجاني كذباً بأنه طبيب روحاني معتمد أو ممثل لجهات دينية أو علمية مرخصة لتسهيل كسب ثقة الضحية.
في حال توافرت هذه المناورات المادية، يُعاقب المحتال بالحبس من ثلاث إلى خمس سنوات، وبغرامة مالية تصل إلى 500,000 ليرة سورية بموجب تعديلات الغرامات الجنحية لعام 2022. ومن القواعد الصارمة في هذا السياق أن المحكوم عليه لا يستفيد من الأسباب المخففة التقديرية أو وقف التنفيذ إلا في حالة واحدة وهي إزالة الضرر ورد كامل الحقوق المالية المغتصبة لأصحابها.
ثالثا: تطور عقوبة الدجل والشعوذة في القانون السوري والتعديلات التشريعية الأخيرة
مع تسارع وتيرة التحول الرقمي، نقل ممارسو الغيبيات أنشطتهم بالكامل إلى الفضاء الافتراضي عبر إنشاء صفحات وهمية وحسابات مموهة على شبكات التواصل الاجتماعي لاستقطاب الضحايا وتلقي تحويلات مالية ضخمة مقابل خدمات وهمية. هذه الممارسات أدت إلى تفعيل القواعد العقابية الواردة في قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية رقم /20/ لعام 2022.
ويعاقب قانون الجريمة المعلوماتية مرتكب الاحتيال الإلكتروني بالسجن من ثلاث إلى خمس سنوات، وغرامة مالية باهظة تتراوح بين 3,000,000 ليرة سورية و 5,000,000 ليرة سورية. وتُشدد العقوبة لتصبح السجن المؤقت من خمس إلى سبع سنوات وغرامة تصل إلى 7,000,000 ليرة سورية إذا استهدفت العملية الاحتيالية جهات عامة أو مصارف أو مؤسسات مالية مشتركة أو خاصة.
وفي الختام، يظهر بوضوح أن تطبيق عقوبة الدجل والشعوذة في القانون السوري يتطلب مرونة قضائية عالية لقراءة الأدلة وتفنيد الأساليب الاحتيالية المستخدمة في تضليل الضحايا وسلب ثرواتهم طواعية. إذا تعرضت أو أحد معارفك لعملية نصب واحتيال مادي أو إلكتروني تحت ستار أعمال السحر، فننصحك بالمبادرة الفورية لحماية حقوقك.
ويمكن لعملائنا الكرام البدء في الإجراءات القانونية اللازمة وملاحقة الفاعلين قضائياً من خلال التعرف على شروط وخطوات إقامة الدعاوى الموضحة بالتفصيل في صفحة مكتب غرس لرفع القضايا في سوريا لضمان إدارة الملف القانوني بأعلى مستويات الاحترافية القانونية والموضوعية القضائية.
كما ندعو جميع الباحثين والمهتمين بالثقافة التشريعية السورية إلى تتبع القوانين والتعديلات الدورية التي تصدر بشكل مستمر من خلال تصفح المنصة القانونية الرسمية الخاصة بـ الموقع الرسمي لمجلس الشعب السوري للاطلاع الدائم على بنية السياسة الجنائية الوطنية ومواقفها من الجرائم المستحدثة.