أخطاء الأبرياء في التحقيق الجنائي وكيف تتحول أقوالهم إلى أدلة ضدهم
يدخل الكثير من الأشخاص جلسات التحقيق الجنائي وهم على قناعة تامة بأن براءتهم وصراحتهم المطلقة هما الدرع الكافي لحمايتهم. وتتردد في الأذهان دائماً تلك المقولة الشائعة: “البريء لا يخاف من الكلام”. إلا أن الواقع العملي في المحاكم الجنائية يثبت عكس ذلك تماماً؛ فالكلام غير المنضبط أثناء الاستجواب قد يتحول بسهولة إلى المادة الأساسية التي تبنى عليها الشبهات وتُنسج منها أدلة الإدانة، حتى لو كان الشخص بريئاً بالفعل.
جدول المحتويات
طبيعة البيئة القانونية لجلسات التحقيق
التحقيق الجنائي ليس مساحة للفضفضة أو إثبات حسن النوايا، بل هو بيئة قانونية صارمة تُسجّل فيها كل كلمة وتُحلل كل تفصيلة. ويبحث القائم بالتحقيق عن مدى اتساق الروايات والبحث عن التناقضات المادية. والمشكلة الأساسية تكمن في أن الشخص البريء، لشعوره بالأمان، يميل عادةً إلى الاسترسال في الحديث وتقديم تفاصيل مجانية لم تُطلب منه، مما يفتح ثغرات غير متوقعة قد تستغل ضده لاحقاً.
القيمة القانونية لمحاضر التحقيق في القانون السوري
وفقاً لقانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، فإن المحاضر التي ينظمها رجال الضابطة العدلية (الشرطة والأمن) تلعب دوراً حاسماً في مصير الدعوى:
- في الجنح والمخالفات: تعتبر المحاضر المنظمة من قبل الضابطة العدلية حجة يثبت بها العيب أو الجرم ما لم يثبت العكس وفق المادة 178 من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري. وهذا يعني أن كل إقرار أو تناقض يدونه المحقق يُلزم صاحبه ويصعب التراجع عنه لاحقاً أمام المحكمة.
- في الجنايات: تعتبر المحاضر بمثابة معلومات بسيطة للشرطة والقاضي، ومع ذلك فإن القضاء يستند إليها لتكوين قناعته الوجدانية والوقوف على مدى مصداقية رواية المتهم منذ اللحظات الأولى للاستجواب.
أكبر خمسة أخطاء يرتكبها الأبرياء أثناء الاستجواب
يقع الأبرياء نتيجة التوتر أو الجهل بالقانون في عدة أخطاء جوهرية أثناء التحقيق، وهي:
- محاولة إقناع المحقق شفهياً: يعتقد البريء أن كثرة الكلام تزيد من صدق روايته، بينما يركز المحقق على رصد التناقضات ومطابقة الأقوال مع الحقائق المادية.
- الإجابة عن أسئلة لم تُطرح أصلاً: سرد قصص وتفاصيل إضافية غير مطلوبة قد يفتح خطوط تحقيق جديدة ويثير شبهات لم تكن قائمة.
- التخمين والتقدير بدلاً من قول “لا أتذكر”: الخوف من الظهور بمظهر غير المتعاون يدفع البعض لافتراض أوقات أو تفاصيل غير دقيقة، وتثبت هذه التقديرات في المحضر كحقائق، فإذا تبين عدم صحتها فُسرت ككذب وتضليل.
- تعديل الإجابات في الجلسات اللاحقة: محاولة توضيح أو “تحسين” الرواية لاحقاً يظهر للمحكمة على أنه تغيير وتناقض في أقوال المتهم.
- الاعتقاد بأن البراءة وحدها تحمي صاحبها: لا يتعامل القانون الجزائي والقضائي مع النوايا الصافية، بل يتعامل مع محاضر موثقة وأدلة مادية وتناقضات لفظية مسجلة أصولاً.
كيف يحلل المحقق الأقوال والزوايا الرمادية؟
يراقب القائم بالاستجوب سلوك الشخص وطريقة إجابته وتوتره وصمته. ومن الأساليب الشائعة صمت المحقق بعد سماع الإجابة لدفع الشخص لملء الفراغ بالكلام الزائد، وهو الفخ الذي يقع فيه الكثير من الأبرياء بسرد معلومات غير مدروسة. كما أن تغيير الكلمات البسيطة أو التراجع الجزئي في التواقيت يُعد بالنسبة للمحقق مؤشراً على ترتيب الرواية وإخفاء معالم الحقيقة.
القواعد الذهبية لحماية نفسك قانونياً أثناء التحقيق
لحماية نفسك من تحول أقوالك لثغرات قانونية، التزم بالقواعد التالية:
- أجب عن السؤال المحدد المطروح فقط دون زيادة أو شرح غير ضروري.
- إذا كنت لا تتذكر تفصيلاً أو توقيتاً، قل بوضوح: “لا أتذكر بدقة” وتجنب التخمين تماماً.
- لا تعتبر جلسة التحقيق ودية أو ودودة مهما كان أسلوب المحقق مريحاً ولطيفاً.
- استعن بمحامٍ مختص فور استدعائك؛ فالقانون السوري يضمن للمتهم الاستعانة بوكيله القانوني لتقديم المشورة الصحيحة وتلافي الأخطاء الإجرائية التي قد تعصف بالملف.
للمزيد من المعلومات حول حقوق المتهم والإجراءات المتبعة أمام المحاكم الجزائية، يرجى زيارة قسم الدعاوى القضائية.
وللاطلاع على مواد قانون أصول المحاكمات الجزائية وتعديلاته الرسمية، يرجى زيارة الموقع الرسمي لـ مجلس الشعب السوري.