الدفوع الشكلية والموضوعية في القانون السوري وترتيب إبدائها 2026
يخوض أطراف النزاع القضائي معركة إجرائية متكاملة تبدأ قبل ملامسة الحق المتنازع عليه في المحاكم، حيث تشكل الدفوع الشكلية والموضوعية في القانون السوري السلاح الدفاعي الأساسي للمدعى عليه لضبط مسار الدعوى وردها أو دحض موضوعها. ولا يقتصر نجاح المرافعة القضائية على قوة المستندات وحدها، بل يرتكز على وعي الخصم ومحاميه بالترتيب الإلزامي لإبداء تلك الدفوع؛ إذ إن خطأً إجرائياً مثل مناقشة موضوع النزاع قبل التمسك بالدفع الشكلي كفيل بإسقاطه حكماً، مما يفوّت فرصة قانونية حاسمة لإنهاء الخصومة في بدايتها.
الدفوع الشكلية والموضوعية في القانون السوري: الفرق الجوهري والأنواع
يقسم التشريع السوري بموجب قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية رقم 1 لعام 2016 وسائل الدفاع إلى فئات محددة بدقة، تتفرع بين ما يمس إجراءات الخصومة وما يتصل بجوهر الحق المدعى به:
- الدفوع الشكلية (الإجرائية): توجه إلى إجراءات الخصومة وصحة انعقادها ومذكراتها دون التعرض لأصل الحق. وتهدف إلى تفادي الحكم لمصلحة المدعي مؤقتاً أو نقل النزاع إلى المحكمة المختصة. ومن أبرز أمثلتها الدفع بعدم الاختصاص المكاني (المحلي)، والدفع ببطلان مذكرة الدعوى أو بطلان تبليغها، والدفع بإحالة النزاع إلى محكمة أخرى لقيام ذات النزاع أمامها أو لوجود ارتباط وثيق بين دعويين.
- الدفوع الموضوعية: توجه مباشرة إلى ذات الحق المدعى به لإثبات عدم نشوئه أصلاً أو انقضائه بعد قيامه. وتشمل الدفع ببطلان العقد، أو الوفاء بقيمة الالتزام، أو المقاصة، أو الإبراء، أو تقادم الحق وسقوطه وفق نصوص القانون المدني السوري.
ولا يحرم الخصم من إثارة الدفع الموضوعي في أي مرحلة من مراحل المحاكمة قبل اختتام المرافعة، في حين تفرض نصوص القانون قيوداً زمنية حازمة على الدفوع الشكلية لمنع استخدامها كوسيلة لتعطيل العدالة.
الترتيب الإلزامي لإبداء الدفوع وقاعدة السقوط الإجرائي
أرست المادتان 145 و146 من قانون أصول المحاكمات المدنية السوري قاعدة صارمة تقضي بوجوب إبداء الدفوع الشكلية معاً ودفعة واحدة قبل أي تعرض لأساس الدعوى. وتتكامل أحكام الدفوع الشكلية والموضوعية في القانون السوري لتكريس مبدأ حسن النية ومنع المماطلة القضائية، ويترتب على مخالفتها ما يلي:
- سقوط الحق في الدفع الشكلي: إذا بدأ المدعى عليه مذكرته أو مرافعته بمناقشة وقائع النزاع، أو طلب مهلة للجواب على أساس الدعوى دون التحفظ صراحة وإبداء دفعه الشكلي، اعتبر متنازلاً عنه وسقط حقه في التمسك به.
- استثناء الدفوع المتصلة بالنظام العام: يستثنى من قاعدة السقوط الدفوع التي تتعلق بقواعد النظام العام؛ فالدفع بعدم الاختصاص الولائي أو النوعي أو القيمي يجوز إبداؤه في أي مرحلة من مراحل المحاكمة، وتقضي به المحكمة من تلقاء نفسها وفق النصوص التشريعية المعتمدة لدى مجلس الشعب السوري.
- سلطة المحكمة في ضم الدفع: تملك المحكمة خيار الفصل في الدفع الشكلي على حدة لإنهاء النزاع مبكراً، أو ضمه إلى الموضوع بمقتضى المادة 145 لتفصل فيهما معاً بحكم واحد مع بيان أسباب كل شق.
ولذلك يحرص المحامون أصحاب الخبرة عند إدارة الدعاوى القضائية على تسطير الدفوع الشكلية مع التحفظ الواضح في صدارة لوائحهم الدفاعية قبل التوسع في أي شق موضوعي.
جدول مقارنة بين الدفوع الشكلية والموضوعية وعدم القبول
| وجه المقارنة | الدفوع الشكلية | دفوع عدم القبول | الدفوع الموضوعية |
|---|---|---|---|
| محل الطعن | إجراءات الخصومة وصحتها | سلطة المدعي في استعمال الدعوى | أصل الحق المدعى به وجوهره |
| وقت الإبداء | في بدء المحاكمة وقبل أي دفاع في الأساس | في أي مرحلة قبل قفل باب المرافعة | في أي مرحلة حتى ختام المحاكمة |
| أثر التكلم بالأساس | يسقط الحق بالدفع الشكلي حكماً | لا يسقط الدفع | لا يسقط الدفع إطلاقاً |
| الاتصال بالنظام العام | لا تتصل به إلا استثناءً كالاختصاص النوعي | تتصل به غالباً كالصفة والمصلحة | لا تتصل بالنظام العام كأصل عام |
دفوع عدم القبول: انتفاء الصفة والمصلحة وحجية الحكم
تحتل دفوع عدم القبول مكانة مميزة؛ إذ لا تمس صحة إجراءات الخصومة المادية ولا تخوض في أصل الحق المدعى به، بل تنصب على تجريد المدعي من سلطته في الالتجاء إلى القضاء لغياب شروط قبول الدعوى، وتشمل:
- انعدام الصفة: كأن ترفع الدعوى من شخص لا يملك الحق القانوني، أو توجه ضد شخص لا يحمل صفة الالتزام أو التمثيل الصحيح للمدين.
- انتفاء المصلحة: تطبيقاً للمبدأ القضائي الراسخ «حيث لا مصلحة لا دعوى»، فإذا كانت المصلحة احتمالية غير مؤكدة أو انتفت تماماً، تقضي المحكمة بعدم قبول الدعوى.
- حجية الأمر المقضي (سبق الفصل): الدفع بصدور حكم قضائي نهائي بات فاصل في النزاع بين ذات الخصوم بصفتهم ذاتها وموضوع النزاع وسببه، حمايةً لاستقرار الحقوق والأحكام.
تطبيقات قضائية واجتهادات محكمة النقض السورية الحديثة
أكدت الهيئة العامة لدى محكمة النقض السورية في قرار الغرفة المدنية رقم 142 لسنة 2019 والمستقر في قضائها على المبادئ الإجرائية المستقرة الآتية:
- إن الخوض في مناقشة مستندات الخصم الموضوعية يسقط الدفع بعدم الاختصاص المحلي، ويعد قبولاً صريحاً بمتابعة المحاكمة أمام المحكمة الواضعة يدها على النزاع وفق المادة 146 أصول محاكمات.
- إن بطلان مذكرة الدعوى أو عيب ورقة التبليغ يزول بحضور المدعى عليه بنفسه أو بواسطة وكيله دون إبداء الدفع بالبطلان قبل الدخول في الجلسة.
- وختاماً، فإن الإلمام الدقيق بتفاصيل الدفوع الشكلية والموضوعية في القانون السوري يحفظ أطراف النزاع من الهزائم الإجرائية، ويضمن قيادة المرافعة بأعلى درجات الانضباط القانوني.
أسئلة شائعة حول الدفوع في المحاكم السورية
هل يجوز إبداء الدفع بعدم الاختصاص المحلي أمام محكمة الاستئناف لأول مرة؟
لا يجوز ذلك؛ لأن الدفع بعدم الاختصاص المحلي (المكاني) دفع شكلي غير متصل بالنظام العام، ويسقط حتماً إذا لم يتم التمسك به في مستهل المحاكمة أمام محكمة الدرجة الأولى وقبل الدخول في موضوع النزاع.
ما الفرق بين الدفع بعدم القبول والدفع برفض الدعوى موضوعاً؟
الدفع بعدم القبول يهاجم سلطة المدعي في مقاضاة خصمه لشروط أولية كالصفة والمصلحة دون بحث أدلة الحق، أما الدفع برفض الدعوى فيتناول أصل الحق نفسه ويثبت عدم صحته أو انقضاء الالتزام.
ما الأثر المترتب على ضم المحكمة للدفع الشكلي إلى الموضوع؟
ضم الدفع الشكلي إلى الموضوع لا يعني إهداره أو إسقاطه، بل يؤجل البت فيه ليصدر مع الحكم الفاصل في أساس الدعوى بحكم قضائي واحد يعلل كلا الشقين.